مجمع البحوث الاسلامية
147
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
إذ قد حصل الجمع وصحّ ( لا تقربوها ) في الكلّ . وقيل : يجوز أن يراد ب ( حدود اللّه ) تعالى : محارمه ومناهيه ، إمّا لأنّ الأوامر السّابقة تستلزم النّواهي لكونها مغيّاة بالغاية ، وإمّا لأنّ المشار إليه قوله سبحانه : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وأمثاله . وقال أبو مسلم : معنى ( لا تقربوها ) لا تتعرّضوا لها بالتّغيير ، كقوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ * فيشمل جميع الأحكام ، ولا يخفى ما في الوجهين من التّكلّف . والقول : بأنّ ( تلك ) إشارة إلى الأحكام ، والحدّ : إمّا بمعنى المنع أو بمعنى الحاجز بين الشّيئين ؛ فعلى الأوّل يكون المعنى : تلك الأحكام ممنوعات اللّه تعالى عن الغير ، ليس لغيره أن يحكم بشيء فَلا تَقْرَبُوها أي لا تحكموا على أنفسكم أو على عباده من عند أنفسكم بشيء ، فإنّ الحكم للّه تعالى عزّ شأنه . وعلى الثّاني يريد أنّ تلك الأحكام حدود حاجزة بين الألوهيّة والعبوديّة ، فالإله يحكم والعباد تنقاد ، فلا تقربوا الأحكام لئلّا تكونوا مشركين باللّه تعالى ، لا يكاد يعرض على ذي لبّ فيرتضيه ، وهو بعيد بمراحل عن المقصود ، كما لا يخفى . ( 2 : 69 ) نحوه ملخّصا القاسميّ . ( 3 : 464 ) الطّباطبائيّ : أصل الحدّ هو المنع ، وإليه يرجع جميع استعمالاته واشتقاقاته ، كحدّ السّيف وحدّ الفجور وحدّ الدّار والحديد ، إلى غير ذلك . والنّهي عن القرب من الحدود كناية عن عدم اقترافها والتّعدّي إليها ، أي لا تقترفوا هذه المعاصي الّتي هي الأكل والشّرب والمباشرة ، أو لا تتعدّوا هذه الأحكام والحرمات الإلهيّة الّتي بيّنها لكم ، وهي أحكام الصّوم بإضاعتها ، وترك التّقوى فيها . ( 2 : 49 ) حسنين مخلوف : أي محارمه ومناهيه ، فلا تقربوها . أو أحكامه المتضمّنة لما نهاكم عنه ، فلا تقربوا ما نهيتم عنه . ( 62 ) عبد الكريم الخطيب : تحذير من اختراق الحدود الّتي أقامها اللّه سبحانه وتعالى لحرماته ، وجعلها حمى لتلك الحرمات . والهاء في قوله : فَلا تَقْرَبُوها ضمير يرجع إلى تلك الحدود ، بمعنى أن يحذر الإنسان الإلمام بالحدود المطيفة بالحرمات ، أو يدنو منها ، مخافة أن تزلّ قدمه فيقع فيما حرّم اللّه ، وفي الحديث : « من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه » . هذا ، و حُدُودُ اللَّهِ * قد تضرب على أشياء فرض تحريمها ، أو تقام على أمور أباحها وأجاز الأخذ بها . وسبحان من أحكم آياته ، وتفرّد بكلماته ، فجاء بها معجزة قاهرة ، تعنوا لجلالها وجوه العالمين ، وتخرس لبيانها ألسنة المخلوقين . ففي الحدود الّتي تحتوي في داخلها المحرّمات ، كما في قوله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ جاء النّهي هكذا : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها أي بالتزام الوقوف خارج تلك الدّائرة ؛ حيث أنّ ما وراءها من مقابل هذا المنهيّ عنه هو المطلق المباح ، والاقتراب من تلك الدّائرة اقتراب من خطر . وفي الحدود الّتي تضمّ المباحات ؛ حيث يكون النّاس معها في داخل الدّائرة ، يجيء النّهي هكذا : تِلْكَ حُدُودُ *